بهاء الدين الجندي اليمني

425

السلوك في طبقات العلماء والملوك

عنك فقال دعهم فأنا واللّه أحفظ المهذّب كما تحفظ الفاتحة ولم يزالوا يسألونه حتى نفذ سؤالهم ، ثم أقبل على كل « 1 » فسأله بسؤال فتركه متحيرا يتلعثم ويتلجلج ، ثم أقام بزبيد أياما ، فوصله حكام التهايم وفقهاؤها وافتقد من يصلح فأبقاه ومن لا يصلح فنفاه ، وهو أول من ولي القضاء من بني عمران ، فذكروا أنه استمر على قضاء القضاة وتوفي عليه كان ميلاده سنة ست عشرة وستمائة وكان أورع من قعد فيه وحكم بأحكام الشرع ، وله من الآثار المتقنة للذكر تجديد جامع مرعيت على طريق السائر من تعزّ إلى عدن أو الجؤة وغيره « 2 » وكان حسن الهيئة جيّد السيرة ، ولما توفي لا أدري بأي تاريخ وله إذ ذاك ولد اسمه محمد ، كان مولده سنة ست عشرة وستمائة وقد صار مراهقا فأضيف القضاء إلى ابن عمه أسعد بن محمد بن موسى ، فتوقّف ، فقال له المنصور حتى يكمل ولد القاضي أبي بكر ، فلما كمل كتب القاضي إليه يعلمه فجعل مكانه ابنه محمد ، فسلك طريق أبيه في كل الأمور ، وذلك مع علم بالفقه وغيره ، وكان نظيف العلم عظيم الورع . حكي أنه كان يطعم الناس طعاما لائقا ، وكان ابن عمه محمد بن أسعد الملقب بالبهاء يطعم أيضا طعاما خارجا عمّا يليق ، بحيث يذبح ويعمل الألوان الحسنة ، وكان ذلك والقاضي البهاء ليس معه ما يطعم منه غير ما يأتيه من أملاكه وهي إذ ذاك قليلة ، وكذلك قاضي القضاة ، فذكروا أنه قال له بعض أصحابه : ابن عمك يعمل طعاما عاليا وأنت تعمل دونه ، ولو شئت لعملت خيرا منه ، فقال صدقت ، لكن أنا أطعم دائما حلالا لو شئت كم على هذه المثابة التي ترى وابن عمي كأنك به وقد أدّان وأخذ رحل « 3 » المساجد والأيتام ، فكان كما قال ، وأن من عجيب ورع هذا الرجل أنه دخل جبلة لقضية أوجبت ذلك ومعه ابن عمه المقدّم ذكره فقضيا حوائجهما وخرجا فأخذ نصف ابلوج سكر أبيض وأخذ ابن عمه عدة أباليج « 4 » ثم لم يعلم بهم حتى وصلا المصنعة ، وكان متزوجا بأخته ، فأمر لها أخوها بنصيب من الهديّة وفرّق على الجيران والأهل ، فقالت أخته لزوجها قاضي القضاة : يا هذا يؤدي إليّ أخي نصيبي أكثر مما أهديت أنت جميعه ، فقال يا هذه تنظري أنت عاقبة أمري وأمر أخيك في الدنيا والآخرة . وكانت وفاته على الطريق المرضي في عشر سنين

--> ( 1 ) أي على كل واحد . ( 2 ) قد تقدم ذكر ذلك ، وهو اليوم خراب . وقد شرع بعض الفلاحين بإصلاحه . ( 3 ) كأنها أموال المساجد والأيتام . ( 4 ) في القاموس : أبلوج ، بالضم ، السكر .